تخطى إلى المحتوى

الأبعاد الحقيقية لقرار إعادة الانتخابات الجزئية: تبريد للشارع وتوازن للأجهزة الأمنية

لقد صدر القرار المنتظر بإعادة الانتخابات في 19 دائرة جزئياً. وهذا القرار، كما أشار إليه الإعلامي عماد البحيري في بثه الأخير، لم يكن مفاجئاً لمن يدرك آليات إدارة شؤون الحكم في البلاد. فبينما ارتفع سقف طموح البعض ممن اعتقدوا أن “الزعيم” سيلغي الانتخابات بالكامل، جاء القرار ليؤكد الرؤية التي طرحت سابقاً: لن يتم إلغاء الانتخابات كلها، بل سيتم “لمّ” بعض الدوائر وحسب.

تبريد الشارع: غليان الصعيد

على الرغم من أن التكهنات حول طبيعة القرار قد تبدو كـ “فتح المندل” أو “استراق السمع”، فإنها في حقيقة الأمر تستند إلى فهم عميق لـ طريقة الحكم والإدارة للنظام. وقد كان الأساس في قرار إعادة الانتخابات الجزئية، والذي شمل بالأساس دوائر في سوهاج، بالإضافة إلى دائرة في أسيوط وأخرى في الفيوم، هو محاولة لـ “سحب الموضوع”.

لقد أشار عماد البحيري إلى أن الصعيد كان في حالة “غليان”. هذا الغليان له ثمن، وقد أفادت التقارير التي رُفعت إلى المسؤولين بأن التعامل مع “كبارات البلد وأصحاب العائلات” في الصعيد بهذه الطريقة “لا يصح ولا ينفع”. وعليه، كانت هذه الإعادة الجزئية بمثابة تبريد لجزء من الشارع الغاضب.

صراع النفوذ: إعادة التوازن بين الأجهزة

إن الدافع الأعمق والأكثر أهمية لإعادة هذه الانتخابات يتعلق بـ إعادة التوازن بين بعض الأجهزة داخل مؤسسات الدولة. فالانتخابات في مصر ليست فعلاً ديمقراطياً، ولا تهدف إلى تحقيق تمثيل حقيقي، كما يعلم الجميع. بل هي وسيلة لتوزيع النفوذ بين الأطراف الفاعلة.

يوجد في مصر ثلاثة “أحزاب” كبرى، وهي في الواقع ليست أحزاباً حقيقية، بل واجهات للأجهزة:

1. حزب مستقبل وطن: وهو تابع لـ أمن الدولة.

2. حزب حماة الوطن: وهو تابع لـ المخابرات العسكرية والجيش.

3. حزب الجبهة: الذي أُنشئ لاحقاً وهو تابع لـ المخابرات العامة.

تقوم هذه الأجهزة بتوزيع نسب النفوذ فيما بينها. وفي انتخابات الشيوخ الأخيرة، طغت نسبة الأجهزة المخصصة لأمن الدولة وزادت بزيادة. وعليه، أصبح من الضروري إحداث توازن، حيث “لا يركب أحد على الثاني” بل يظلوا متقاربين. وعندما “فلت” واحد وعدى الـ 50% وركب، كان يجب “سحبه”. هذا هو السبب وراء إصدار بيان الداخلية الذي نفى وجود تجاوزات، وهو محاولة لـ ضبط التوازنات بين الأجهزة.

وهم الديمقراطية والتحذير الأخير

إن هذه الإجراءات لا تعني بأي حال من الأحوال أننا “سنتجه نحو الديمقراطية” أو “التمثيل الحقيقي”. فالمجلس يعتمد بشكل كبير على القائمة المعينة (التي تشكل نصف أعضاء المجلس). أما الـ 19 دائرة، فربما تُستخدم لإرضاء “شويه زعلوكوا” (شخصيات هامشية) الذين قد يأخذون فرداً أو مقعداً.

في الختام، يجب التذكير بأن سنن الله سبحانه وتعالى لا توفق الظالمين، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. وعليه، فإن أي شخص يبني أحلاماً وطموحات على أن هذا الحاكم سيسير بمصر نحو طريق الحرية والديمقراطية، فهو شخص واهٍ ويحجر على عقله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *