تخطى إلى المحتوى

أزمة الانتخابات المصرية: صراع الأجهزة والهدف الخفي وراء تعديل الدستور

بسم الله الرحمن الرحيم. يمثل المشهد السياسي المصري المتعلق بالانتخابات الأخيرة مادة خصبة للتحليل، خاصة بعد التطورات الدرامية التي طرأت في الأيام القليلة الماضية. ورغم النصيحة التي يوجهها بعض الأصدقاء، بالتركيز على السياسات الدولية وتجاهل “الكلام الفارغ” المتعلق بالانتخابات المحلية، فإن ما يجري في مصر يكشف عن مستوى غير مسبوق في إدارة الشأن العام.

لقد أصبحت مصر، للأسف، “أضحوكة العالم” بسبب ما يجري على الساحة الداخلية. وخلال الثلاثة أو الأربعة أيام الأخيرة، اتخذت الأمور منحنى مختلفاً تماماً عقب منشور نشره الرئيس السيسي، وهو المنشور الذي كشف بلا شك أن مصر تُدار بقبضة أمنية حديدية، وهي حقيقة لا يختلف عليها مؤيد أو معارض.

دوافع التدخل: الغضب الشعبي وتوازن القوى

كان تدخل الرئيس السيسي بسبب سببين رئيسيين.

أولاً: حالة الغضب العارمة المنتشرة: انتشرت حالة سخط وغضب واسعة، وخاصة في صعيد مصر، وشملت عائلات كبيرة ذات ثقل ووزن لا يمكن تصنيفها تحت شماعة “الإخوان”. وقد أظهرت التقارير التي وصلت إلى السيسي أن “الحكاية بتنور ضوء أحمر”، وبدأت تظهر مظاهرات في الشارع، مثل تلك التي وقعت في الفيوم وسوهاج. وكان هدف التدخل هو تجنب تكرار أحداث عام 2010، خاصة وأن السخط هذه المرة بدأ يسخن في الشارع أولاً قبل أن يصل إلى النخبة.

ثانياً: تغول بعض الأجهزة على بعضها: يتكون المشهد السياسي في مصر من ثلاثة أحزاب رئيسية مرتبطة بالأجهزة السيادية: حزب مستقبل وطن الذي يمثل أمن الدولة، وحزب حماة وطن الذي يمثل المخابرات العسكرية والجيش، وحزب الجبهة الجديد الذي كان يمثل المخابرات. كان التصور الأولي أن حزب الجبهة سينشأ ليكون الحزب الرئيسي للسيسي ويحل محل مستقبل وطن. لكن ما حدث هو أن الدولة العميقة، المتمثلة في أمن الدولة التي تدير الملف الداخلي، فرضت سطوتها، مما جعل مستقبل وطن هو الأول، وحماة وطن الثاني، والجبهة الثالث وبفارق كبير. تدخل السيسي لضبط هذا التوازن، مؤكداً ضرورة تقاسم النفوذ بين أطراف الدولة العميقة والحفاظ على توازن القوى.

التلاعب بالعملية الانتخابية وصراع القضاء

رداً على ضغط السيسي، حاولت اللجنة الانتخابية، التي هي مجرد “أداة في يد الأجهزة”، أن ترضيه بإبطال عدد من الدوائر الفردية. إلا أن اللجنة رفضت تنفيذ الفكرة التي كان الجميع يتحدث عنها، وهي إلغاء الانتخابات. ومن المستحيل مناقشة أي نقاشات قانونية حول ما إذا كان إبطال الصوت الفردي يؤدي إلى إبطال صوت القائمة، لأننا لسنا في “دولة قانون”، بل في “دولة فردة”.

هذه التطورات أدت إلى الإساءة لسمعة القضاء. فبعدما ادعى المعارضون أن الانتخابات تجري تحت إشراف قضائي كامل، اضطر نادي القضاة لإصدار بيان، لاسيما وأن سمعة القضاء ليست في أفضل أحوالها بعد التسريبات المعروفة. وأوضح بيان القضاة أنهم لم يشرفوا على الانتخابات، بل أشرفت عليها النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة، مؤكدين أن هؤلاء موظفون في الدولة ولا يتمتعون بالحصانة القضائية الكاملة.

أخطر ما جاء في بيان النيابة الإدارية: منع الوصول للنتائج

تفاقم الخلاف بين المؤسسات القضائية عندما أصدر مكتب تابع للنيابة الإدارية بياناً شديد اللهجة (تلقيحاً قوياً) رداً على القضاة. هذا البيان كشف عن مستوى غير مسبوق من اللغة المستخدمة بين المؤسسات القضائية، والذي ينم عن المستوى الذي وصل إليه النظام.

لكن أخطر ما جاء في البيان هو الإشارة إلى أنهم كانوا ينفذون تعليمات الهيئة العليا للانتخابات. وهذه التعليمات تضمنت منع وكلاء المرشحين من الحصول على كشف بنتيجة فرز الصندوق. هذا يعني أن وكيل المرشح لا يمكنه معرفة عدد الأصوات التي حصل عليها في صندوق معين. ويهدف هذا الإجراء إلى تزوير النتائج دون دوشة، حيث يمكن للمرشح أن يكون حاصلاً على 10 آلاف صوت ثم يجد نفسه حاصلاً على ثلاثة أصوات فقط. ويؤكد هذا الإجراء أن اللجنة الانتخابية “مظبطة الدنيا من الأول ومن الأساس”.

مصير الانتخابات والهدف الدستوري

نتيجة لهذه التطورات، تتعالى الأصوات مطالبة بإلغاء الانتخابات وتمديد عمل البرلمان القديم لمدة عام حتى يتم تغيير القوانين الانتخابية. وفي هذا السياق، دعت الهيئة الوطنية للانتخابات رؤساء الأحزاب لاجتماع.

يرى المتحدث أن فكرة إلغاء الانتخابات أمر مستحيل من وجهة نظره. فالنظام لن يذهب إلى هذا الحد لأنه سيخلق بلبلة وسيطلق “العفريت من الفانوس”، أي سيعطي انطباعاً بأن ضغط الشعب قد يأتي بنتيجة، وهو ما ستقاومه الأجهزة الأمنية.

الهدف الحقيقي من هذا البرلمان هو أنه منوط به تعديل الدستور. هذه الخطوة تأتي في إطار التفكير في الخلود السياسي، حيث يسمح تعديل الدستور للسيسي بالترشح مرة أخرى بعد عام 2030 (ربما في 2028 أو 2027). ولذلك، يتم انتقاء برلمان يضمن تمرير هذا التعديل.

تشهد الساحة أيضاً تفككاً كبيراً، خاصة في حزب الجبهة، حيث استقال كمال الدالي (مدير أمن ومحافظ الجيزة الأسبق) معلناً عدم خوضه الانتخابات. وتجري في الوقت الحالي محاولات محمومة للملمة هذا الموضوع وسط حالة من الارتباك الشديد.

وبالإضافة إلى ذلك، هناك تصفية لبعض العائلات، مثل عائلات في الفيوم، تم وضع علامة “إكس” عليها ومنعها من الترشح، تحديداً تلك التي كان أعضاؤها قد وقفوا ضد قضية تيران وصنافير سابقاً. يظهر هذا المنطق “العجيب” أن التزوير يتم حتى عندما لا يكون هناك ضرورة منطقية واضحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *