شهدت المنطقة مؤخراً زيارة هامة للأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، وهي زيارته الأولى منذ سبع سنوات (منذ عام 2018)، وقد تم التعامل مع هذه الزيارة في الأوساط الإعلامية والسياسية باعتبارها “تنصيبًا لابن سلمان زعيمًا للشرق الأوسط”. تُعد هذه القراءة التحليلية محاولة لوضع اليد على المؤشرات والدلالات الرمزية والسياسية التي دفعت هذا الوصف، مستندة إلى أربع إشارات رئيسية تؤكد مكانة المملكة الجديدة تحت قيادة ولي العهد.
1. الرمزية في الاستقبال غير المسبوق: “اجعل له شيئًا من الفخر”
كان الاستقبال الذي حظي به الأمير محمد بن سلمان استقبالاً لم يحدث مع أي ضيف آخر. وفي الوقت الذي تستقبل فيه الوفود الغربية أو الرؤساء المؤقتون كملك المغرب أو ماكرون أو زيلينسكي دون خيول أو إعلام، حيث يقف لهم المضيف على الباب (كإجراء شكلي)، فإن الاحتفاء الذي تم بابن سلمان كان على الدرجة القصوى من الأهمية.
يُفهم هذا الاحتفاء في سياق نفسي وسياسي، حيث يدرك القائمون على الاستقبال سيكولوجية قادة المنطقة الذين يُقدّرون الفخامة والمظاهر. إنها القاعدة التي ذكرها سيدنا العباس للرسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: “اجعل لأبي سفيان شيئًا من الفخر، فإنه امرؤ يحب الفخر”. وهذا التعامل الرمزي القائم على الفشخرة يختلف في درجاته حسب أهمية الضيف، وقد حصل ابن سلمان على الدرجة القصوى.
2. مؤشر القوة الجوية: الموافقة على بيع طائرات F-35
تُعد الموافقة على بيع طائرات “إف-35” (F-35) للسعودية مؤشراً رمزياً ثانياً بالغ الأهمية لتنصيب ولي العهد زعيمًا للمنطقة. هذه الطائرة هي الأحدث في العالم، وتتميز بكونها “شبحية” لا يمكن للرادارات اكتشافها.
رمزية هذه الموافقة تنبع من كون السعودية أول دولة في المنطقة (خارج أمريكا وإسرائيل) تحصل عليها. ورغم وجود تقارير تشير إلى أن النسخة المُصنّعة للسعودية قد تكون أقل كفاءة من تلك الموجودة لدى إسرائيل والولايات المتحدة، بل قد تحتوي على “مفتاح إغلاق” يتم التحكم فيه أمريكياً، إلا أن الدلالة السياسية تبقى واضحة جداً.
هذه الصفقة تُعد إقرارًا من القيادة الأمريكية (ممثلة في ترامب، الذي لا يزال أمامه ثلاث سنوات، ضمنياً) بأن السعودية ومحمد بن سلمان هما “الكبار”. وهذا القرار يقف نقيضاً لما حدث مع الإمارات في عام 2020، حينما اتفقوا على 20 طائرة ثم ألغى بايدن الصفقة. وقد أدرك الصهاينة، مثل ليبرمان، رمزية هذا التحول، معتبرين أن وصول هذه الطائرات للسعودية وربما لاحقاً لتركيا، يُفقد إسرائيل تفوقها النوعي في المنطقة.
3. البطاقة الخضراء النووية العالمية: الموافقة على برنامج الطاقة النووية
الإشارة الثالثة التي تدعم فكرة “تنصيب الزعامة” هي الموافقة على برنامج سعودي للطاقة النووية. ورغم أن هذا البرنامج يتم تقديمه في العلن على أنه برنامج سلمي ومدني، إلا أن الطاقة النووية تمتلك القدرة على التحول في أي لحظة إلى طاقة عسكرية (كما هو الحال مع إيران).
تُمنح السعودية هنا “بطاقة خضراء عالمية” (جرين كارد عالمي) لتنفيذ برنامج نووي بتكنولوجيا وموافقة أمريكية. وهذا يعطي ميزة مختلفة تماماً، ويمنح ابن سلمان هذا الكارت الاستراتيجي بحيث لا يمكن لأي طرف أن يعترض عليه.
بالإضافة إلى ذلك، هناك اهتمام كبير يظهره ابن سلمان ببرنامج الذكاء الاصطناعي والتطور التكنولوجي. وقد عمل ولي العهد على تطوير منظومة تكنولوجية عالية، أدت إلى زيادة شعبيته بين الشباب السعودي، ومثال ذلك توفير إمكانية الحصول على قرض من خلال تطبيق إلكتروني في غضون دقائق معدودة. هذا التركيز على التطور يعكس رغبة حقيقية في إحداث نقلة تكنولوجية.
4. الدخول كطرف مؤثر في الملفات الإقليمية الكبرى
المؤشر الرابع والأكثر تأثيراً هو دخول محمد بن سلمان كطرف فاعل ومؤثر في ملفات تتجاوز حدود الدول العربية التقليدية. ففي المؤتمر الصحفي، تحدث ابن سلمان صراحة عن السعي لعقد صلح واتفاق بين إيران وأمريكا.
وُصفت هذه الخطوة بأنها “ضربة معلم”. فالسعودية، التي كانت تُخوَّف دائماً بإيران والتي كانت صواريخ الحوثيين موجهة إليها، تنتقل فجأة لتصبح الوسيط الذي يسعى للمصالحة بين واشنطن وطهران.
كما أن ابن سلمان لم يتحدث في ملفات الدول العربية المعتادة ذات النفوذ السعودي، مثل السودان أو اليمن أو لبنان (حيث للسعودية نفوذ تاريخي ومؤثر، كدورها في اتفاق الطائف). وبدلاً من ذلك، ركّز على ملف إيران.
هذا التحول في الأولويات يرسخ الرسالة بأن محمد بن سلمان يعتبر نفسه “كبير المنطقة”، وأن أي “عوق” أو مشكلة إقليمية يجب أن تُحل من خلاله، سواء تعلق الأمر بإيران أو بسوريا.
الثمن المدفوع والغاية الكبرى
صحيح أن كل هذه المزايا التي حصلت عليها السعودية (الاستقبال، الـF-35، البرنامج النووي، التركيز على الذكاء الاصطناعي) لها ثمن. وقد رفع ولي العهد “الفيزيتا” (قيمة الاستثمارات) من 600 مليار دولار إلى تريليون دولار.
إلا أن هذا الثمن، بالنظر إلى السياق الجيوسياسي، يستحق بالنسبة للسعودية. إذ كان من الممكن أن تُدفع هذه الأموال الطائلة فقط مقابل الموافقة الأمريكية (والبريطانية، التي ساهمت في إنشاء المملكة) على جلوسه على العرش، حيث يدرك الجميع أن قرار الجلوس على العرش ليس قراراً سعودياً خالصاً. لذلك، فإن حصوله على كل هذه المزايا العسكرية والتكنولوجية والسياسية يأتي كإضافة هامة بجانب ضمان الجلوس على العرش.
لقد أدت هذه التطورات إلى “لطم” (استياء شديد) في أماكن أخرى، كالإمارات، حيث يبدو أن ترامب مال بشكل واضح نحو ابن سلمان كلاعب رئيسي، ولم يعد يسعى لتحقيق التوازن بينه وبين ابن زايد.
وفي الختام، يقر المحلل بأن ابن سلمان يقوم بعمل جيد على صعيد التطور التكنولوجي والنهضة، مشيراً إلى أن الضمير المهني يفرض الاعتراف بالنقاط الإيجابية (كالتطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي) حتى مع وجود خلافات سياسية. وعلى الرغم من وجود أخطاء كارثية أخرى (مثل تغييب العامل الديني، والإنفاق غير المجدي على مشاريع كـ “نيوم”)، فإن الصفقة الأخيرة والدلالات المصاحبة لها تُؤكد أن الأمير محمد بن سلمان قد حصل على اعتراف دولي بمكانته كقائد إقليمي، حتى لو كان ذلك مكلفاً.