في ظل التطورات المتسارعة على الساحة الدولية، ظهر الحجم الحقيقي لأوروبا التي بدت عاجزة في مواجهة التحديات الروسية المتزايدة. فخلال المؤتمرات الأخيرة، فشلت القارة العجوز في اتخاذ قرار حاسم بشأن تجميد الأموال الروسية لدعم المجهود الحربي الأوكراني، حيث رفضت بلجيكا – التي تضم المقرات الرئيسية للأموال في بروكسل – أن “تشيل الشيلة” أو تتحمل أعباء هذا القرار وحدها دون غطاء جماعي.
التحشيد العسكري: أرقام تثير الذعر
كشفت تقارير استخباراتية أوروبية جرى تداولها مؤخراً عن تحشيد روسي ضخم يضم 96,000 جندي في بيلاروسيا، وتحديداً على حدود بولندا،. ولنا أن نتخيل حجم هذا التهديد إذا ما قارناه ببداية الحرب الأوكرانية، حيث دخلت روسيا المعركة بـ 200,000 جندي فقط، مما يعني أن الحشد الحالي يمثل قوة ضاربة لا يمكن الاستهانة بها. وعلى الرغم من أن هذه الأرقام لم يتم تأكيدها أو نفيها بشكل رسمي مطلق، إلا أنها أحدثت حالة من الارتباك داخل الأوساط الأوروبية.
الفشل في التمويل و”العين الحمراء” الروسية
كانت الخطة الأوروبية تهدف إلى تمويل أوكرانيا بمبلغ 210 مليار يورو من فوائد الأصول الروسية المجمدة، وهو ما وصف بأنه محاولة للدعم “من ذقنه وافتل له”. إلا أن التحذيرات الروسية الصارمة، أو ما يمكن وصفه بـ “تحمير العين”، جعلت القادة الأوروبيين يتراجعون خوفاً من العواقب، رغم وجود ضغوط أمريكية تدفع في اتجاه التصعيد.
الهشاشة الدفاعية: طائرات مسيرة فوق برلين
تتجلى الفجوة العسكرية الأوروبية في التعامل مع الاختراقات الجوية؛ فبينما قامت تركيا بإسقاط طائرة مسيرة اقتربت من حدودها باستخدام مقاتلة F-16، اخترقت مسيرات روسية أجواء ألمانيا والدنمارك وبلجيكا وفرنسا وصولاً إلى برلين دون أن يتم إسقاط واحدة منها. هذا العجز الدفاعي يعكس حقيقة أن الجيش الألماني بكامل قوته لا يتجاوز 182,000 جندي، ويعاني من أزمات في التجنيد الإجباري وتناقص القوة البشرية.
لماذا تدعم أوروبا أوكرانيا؟
الحقيقة التي يجب إدراكها هي أن أوروبا لا تدعم أوكرانيا لسواد عيونها، بل لأنها تعتبرها الواجهة المناسبة لإنهاك الروس. فالدول الأوروبية تدرك أن لروسيا أطماعاً حقيقية في القارة، وأن أوكرانيا تخوض “حرباً بالوكالة” نيابة عنهم،. وتخشى هذه الدول أنه في حال انتصار روسيا، فإن شهيتها ستنفتح لالتهام بقية القارة التي اعتمدت لعقود على التنمية الاقتصادية وأهملت الجوانب العسكرية، تاركةً مسؤولية أمنها لحلف الناتو والولايات المتحدة.
بريطانيا وقرع طبول الحرب
لم تكن بريطانيا بعيدة عن هذا المشهد، فرغم خروجها من الاتحاد الأوروبي – وهو ما وصفه البعض بالخطأ الكارثي – إلا أنها تظل في قلب القارة المتأثرة بأي غزو روسي محتمل. وتعتبر بريطانيا من أكثر الدول عداءً لروسيا، وقد بدأت بالفعل في تحذير شعبها بضرورة الاستعداد للحرب، مما يشير إلى جدية التهديدات الراهنة.
الخلاصة: تعيش أوروبا اليوم لحظة كاشفة، حيث تصطدم طموحات التنمية بواقع عسكري مرير، في وقت تبدو فيه روسيا أكثر إصراراً على فرض معادلتها الجديدة في القارة.