يخوض الإعلامي عماد البحيري نقاشاً حاداً مع رموز المعارضة المصرية في الخارج حول الاستراتيجية المثلى للتعامل مع النظام الحاكم، محورها الرئيسي ملف المصالحة والعودة. وعلى الرغم من أن البحيري يعلن بوضوح تأييده المطلق لخروج المعتقلين من السجون وضرورة عودة المطاردين في الخارج، وتخفيف المعاناة عن أسرهم، فإنه يحذر بشدة من الوقوع في فخ الأوهام، مؤكداً أن النظام لن يقدم على هذا النوع من التنازلات إطلاقاً. ويوضح البحيري في تحليلاته العميقة الأسباب الرئيسية التي تجعل من المصالحة الحقيقية مسألة مستبعدة، سواء كانت تلك الأسباب تتعلق بضرورات بقاء النظام أم بعوامل ذات أبعاد أعمق.
الخلاف الجوهري: رفض صورة “المنبطح”
كان الخلاف الأساسي للبحيري مع رموز المعارضة ينصب على “فكرة تبني خطاب المصالحة”. وبينما يؤكد البحيري عدم ممانعته إطلاقاً في خروج المعتقلين وعودة المطاردين، فإنه يرى أن أي تنازلات تقدم من جانب المعارضة، أو حتى “انبطاح” (تذلل)، لن تدفع السيسي لتقديم أي خطوة في هذا الاتجاه. وعليه، يشدد البحيري على ضرورة تجنب الظهور بصورة “المنبطح” أو الملهوف على التنازل.
ويشير البحيري إلى أن الخطوات التي اتخذها الإخوان المسلمون تجاه المصالحة كانت مدفوعة بـ “ضغط داخلي”. فقد طالبت بعض أسر المعتقلين قيادات الإخوان بالكف عن منع المصالحة، مما دفع القيادات إلى تقديم مبادرة كدليل على أن النظام هو الرافض الحقيقي، وليس هم. لكن البحيري يرى أن هذا الشأن يخص الإخوان داخلياً، بينما يبقى الإطار العام للواقع هو استحالة تلبية النظام لهذه المطالب.
منطق القوة ورفض الاستقرار
يضع البحيري تحليلاً منطقياً لما كان يجب أن يحدث بعد تثبيت أركان النظام. بعد الخلاف على حكم مصر، وانتهاء شرعية الرئيس مرسي بالوفاة، وتثبيت النظام أقدامه بقوة شديدة، وسجن كل المنافسين (مثل سامي عنان وشفيق و”الدنيا كلها”)، كان من الطبيعي أن يتجه النظام نحو لملمة البلد. كان التفكير العقلي والمنطقي يشير إلى إمكانية منح مساحة من الحرية، والسماح للمعارضين بالعودة (مع التوقف عن العمل السياسي لفترة، مثلاً الإخوان لمدة 10 أو 15 سنة) لضمان استقرار البلاد.
إلا أن البحيري يؤكد أن النظام لن يفعل ذلك، مشدداً على أن من يجلس في الحكم في مصر “ما بيمشيش غير يا بانقلاب يا بثورة يا بموت”.
الأسباب الجذرية لرفض التنازل
يرى عماد البحيري أن هناك سببين رئيسيين يمنعان النظام من التنازل أو فتح مساحة للمصالحة الحقيقية:
1. الحاجة إلى “الشماعة”: السبب الأول هو رغبة النظام في الاحتفاظ بـ “عدو يحمله كل البلاوي”. في أي أزمة أو زنقة، سواء في بيانات وزارة الداخلية أو وسائل الإعلام، يتم توجيه الاتهام إلى الإخوان أو “واحد من الإخوان” أو فبركات تُنسب إليهم. وجود هذه “الشماعة” ضروري، لأنه لو سحبت هذه “الشماعة”، لكان على النظام أن يعترف بأنه هو المخطئ.
2. تأثير الدعوة القدرية: السبب الثاني الذي يذهب فيه البحيري إلى البعد الروحي والقدري، هو اعتقاده بأن النظام قد أصابته “جزء من دعوة سيدنا موسى” ضد فرعون. ويستشهد البحيري بجزء من دعوة سيدنا موسى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْتَدَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. ويؤكد البحيري على الجزء الأخير من الدعوة: “فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم”. وبناءً على ذلك، يقول البحيري إنه كان دائماً يخبر المعارضين بأن هذا النظام “ما هيخلصها غير لما يبقى فيه في لحظة النهاية بس”.
دروس في التخفيف والامتصاص
يحذر البحيري المعارضة من الانخداع بالإشارات الإيجابية الظاهرية أو التصريحات الرسمية التي ترفع الآمال. ويستذكر مواقف سابقة، مثل صدور بيانات رسمية أو خطاب من رئيس الدولة شخصياً (أو إشارة إلى “أبنائي اللي في الخارج”)، والتي يظن البعض أنها تمثل تحولاً نحو المصالحة.
ويوضح البحيري أن هذه التحركات ليست سوى مجرد خطوات لحسابات سياسية، فمثلاً، قد يكون سبب صدور بيان ما هو أن النظام لديه “جلسة حقوق إنسان” قادمة (بعد أسبوع أو شهر)، ويتم إصدار البيان لـ “تتظبط” الأوضاع أمام الرأي العام. وقد شهد البحيري خلافات في تركيا بسبب هذا الموضوع، حيث اتهمه البعض بأنه “متطرف” لرفضه تصديق هذه الإشارات، لكن الواقع دائماً أثبت صدق تحليله.
الدرس الذي يجب تعلمه هو أن النظام “بيخفف الضغط اللي في الشارع” ويعمل على تهدئة “حالة الاحتقان”. هذه التحركات هي بمثابة دروس تعلمها النظام من الماضي، مثل درس 2010 عندما كانت الأمور مظلمة واعتقد المسؤولون حينها أنه “ما فيش حاجة هتحصل”. النظام الآن يتعلم من تلك الدروس، ويقوم بـ “تخفيف الضغط” عندما يشتد، لكنه لن يذهب أبداً إلى مساحات الحرية الحقيقية.
الخطوط الحمراء: الإعلام والنزاهة
يؤكد البحيري أن النظام لن يسمح أبداً بمساحة حقيقية للعمل المعارض. فعندما يتحدث البعض عن عودته إلى مصر وعودة “قناة الشرق”، يؤكد البحيري أن الاستعداد للعودة موجود، ولكن بشرط أن يُسمح لهم بـ “أن نقول اللي احنا عايزينه”، وهو ما يجزم بأنه “غير مسموح”.
ويخلص البحيري إلى أن كل من ينتظر تحولاً نحو انتخابات “نزيهة” أو حرية إعلامية حقيقية يجب أن يدرك أن ذلك مستحيل. هذه الوعود مجرد ضحكات لامتصاص الغضب، وعلى المعارضة أن “تتعلم الدروس” وتفهم أن هذه المساحات “ما تنورش معاكم في حتة”.
——————————————————————————–
خلاصة القول يمكن النظر إلى وعود المصالحة والتنازلات من جانب النظام على أنها أشبه بـ “صمام أمان كاذب”. النظام يفتحه قليلاً ليخفف من غليان الضغط الداخلي والخارجي، لكنه لا ينوي أبداً فك غطاء الإناء بالكامل، لأنه يعلم أن فتح الغطاء يعني انفجاراً يهدد وجوده، بينما الهدف الرئيسي هو الحفاظ على العدو الوهمي (الشماعة) وإبقاء المعادلة كما هي حتى النهاية