الحقيقة يا جماعة، أنا في حالة من الصدمة منذ الأمس؛ صدمة مما تروجه اللجان الإلكترونية التابعة للنظام، والتي انطلقت تحتفي بقرار كارثي وكأنه نصر مبين. إن ما يحدث يذكرني بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الزمان الذي “يُؤتمن فيه الخائن ويُخون فيه الأمين”؛ فبينما يهلل إعلام السيسي ويدعي أننا “مشينا كلامنا غصب عن نتنياهو”، يخرج الأخير في مؤتمر صحفي عالمي ليعرض “برزنتيشن” يتباهى فيه بأعلى صفقة في تاريخ إسرائيل.
من الرابح الحقيقي؟ ولماذا يرقص نتنياهو فرحاً؟
بينما تحاول الأذرع الإعلامية في مصر تجميل القبح، كان نتنياهو صريحاً جداً حين قال إن هذه الصفقة تحقق مصلحة اقتصادية وسياسية لإسرائيل ولأجيالها القادمة. نحن نتحدث عن 35 مليار دولار ستدخل خزينة الاحتلال من شقانا وتعبنا. كيف يمكن لعاقل أن يعتبر تسليم رقبة الدولة لعدوها التاريخي انتصاراً؟ أي طالب في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية يدرك أن هذا يمثل خطراً عظيماً على الأمن القومي.
لقد لخص أحد الإخوة العرب الوجع بجملة تدمي القلب حين قال: “طبيخ المصريين كله سيكون بغاز إسرائيلي مختلط بدماء إخوانكم في غزة”. هل يتخيل المواطن المصري وهو يطهو طعامه أن هذا الوقود مغمس بدم أهلنا في القطاع؟ .
كذبة “الصفقة التجارية” والضغوط الأمريكية
يخرج علينا ضياء رشوان، الذي أصبح المتحدث الفعلي باسم الدولة، ليزعم أن الصفقة “تجارية بحتة” ولا علاقة لها بالسياسة [3، 6]. إذا كانت تجارية فقط، فلماذا ضغطت الإدارة الأمريكية وموقع “أكسيوس” المقرب من البيت الأبيض لإتمامها؟. ولماذا وافق نتنياهو عليها فور زيارة “توم براك” مبعوث ترامب؟. الحقيقة أن إسرائيل كانت تضع شروطاً تعجيزية، لكن أمريكا تدخلت لتمرير الصفقة مكافأة للسيسي على الدور الذي يلعبه، مع تنازل إسرائيل عن بعض الشروط الشكلية لضمان تبعية مصر الطاقية لها.
أين حقل “ظهر”؟ ولماذا البديل الصهيوني؟
السؤال الذي يفرض نفسه: أين وعود “حقل ظهر” الذي صدعوا رؤوسنا به؟ وأين “الجون” الذي سجلوه منذ سنوات؟. إذا كان لدينا عجز، فلماذا نذهب للعدو وهناك بدائل عربية مخلصة مثل الجزائر التي تصدر الغاز لأوروبا كلها، أو حتى قطر؟ [2، 8]. هل أصبحت قطر والجزائر أوحش من إسرائيل في نظر هذا النظام؟.
لقد ارتكب النظام أخطاءً استراتيجية قاتلة في ترسيم الحدود البحرية مع اليونان وقبرص نكاية في تركيا، مما أضاع على مصر حقوقاً في حقول مثل “ليفياثان” كانت ستغنينا عن هذا الذل. والآن، وبينما تقتل إسرائيل جنودنا على الحدود وتحتل محور فيلادلفيا وتغلق معبر رفح، يقوم السيسي بمكافأتها وضخ المليارات في خزانتها لإنقاذ اقتصادها الذي تضرر من الحرب.
شراء الشرعية على حساب السيادة
إن ما يفعله السيسي هو استمرار لسياسة “شراء البقاء في السلطة”؛ فهو يشتري شرعيته بفلوس المصريين، تماماً كما كشف الرئيس الفرنسي الأسبق “هولاند” في الفيلم الوثائقي “السيسي فرعون مصر الجديد”، حين اعترف بأنه أُجبر على حضور افتتاح قناة السويس لأن النظام كان يشتري صفقات سلاح قديمة بأضعاف ثمنها .
إن هذه الصفقة تكبل الدولة المصرية، فإسرائيل ليست عبيطة؛ لقد وضعت ضمانات قانونية تجعل أي تراجع مستقبلي عن الصفقة من قبل أي نظام قادم عرضة للتحكيم الدولي والتعويضات المليارية الضخمة.
يا جماعة، المسألة ليست مجرد غاز، بل هي جريمة كبرى في حق الأجيال القادمة وفي حق الأمن القومي المصري . نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ مصر ويكشف عنها هذه الغمة .
إن النظام الذي فرط في الحدود البحرية يفرط اليوم في استقلالنا الطاقي، ويجعل لقمة عيش المصريين رهينة بيد من لا يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة. إنها ليست صفقة تجارية، بل هي صك تبعية يدفع ثمنه المواطن من كرامته وقوته.