تخطى إلى المحتوى

ابن سلمان وتحدي السودان: هل دقت ساعة الاستفاقة السعودية لمواجهة “التطويق” الإماراتي؟

يشهد الملف السوداني في الآونة الأخيرة حالة من الركود بعد سقوط مناطق استراتيجية مثل بابنوسة وحقول نفط هجليج، حيث غابت التحركات القوية من الطرفين المتصارعين في الميدان. وفي ظل هذا الهدوء الحذر، تبرز تساؤلات جوهرية حول الدور الإقليمي، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية على دولة الإمارات بسبب تدخلها في السودان، ومحاولتها تهدئة الأوضاع هناك مؤقتاً بعد أن حققت ما تشبه “الانتصار الاستراتيجي” في جنوب اليمن والسيطرة على المعابر الحيوية، مما يعد تفوقاً تكتيكياً على الحسابات السعودية.

زيارة البرهان إلى الرياض: عتاب يتجاوز البروتوكول جاءت زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى المملكة العربية السعودية مؤخراً بناءً على دعوة مباشرة من محمد بن سلمان، لتعكس رغبة سعودية -وإن كانت متأخرة- في التدخل بشكل مختلف في ملفات السودان والقرن الأفريقي. المثير في هذه الزيارة لم يكن الطابع الكلاسيكي للبيانات الرسمية، بل ما كشفه البرهان نفسه لصحف سودانية حول فحوى لقائه بابن سلمان؛ حيث وجه له تساؤلاً مباشراً وصادماً: “لماذا تترك الأمور هكذا؟”.

لقد وضع البرهان النقاط على الحروف أمام القيادة السعودية، مؤكداً أنه لا يمكن الصمت أمام تحركات “دويلة صغيرة” تحقق انتصارات ميدانية وتوسع نفوذها على حساب أمن المنطقة. كما شدد البرهان على أن مفتاح إنهاء الحرب في السودان واضح وبسيط، وهو قطع إمدادات السلاح عن الميليشيات، مطالباً السعودية بتبني استراتيجية فعلية لا تكتفي بمجرد المراقبة.

خطر “الهلال الإماراتي” وتطويق المملكة تشير القراءة الاستراتيجية للمشهد إلى وجود “قراءة متأخرة” جداً من جانب السعودية لما يُعرف بـ “الهلال الإماراتي” أو محاولات أبوظبي لتطويق السعودية ومصر. الإمارات تتحرك في كل اتجاه؛ من البحر الأحمر إلى المحيط وصولاً إلى الخليج، مما يضع المملكة في وضع المحاصر جغرافياً وسياسياً.

وبينما يمكن فهم الموقف المصري “السخيف” -على حد وصف المصادر- والاضطراري بسبب الضغوط الاقتصادية وليّ الذراع الذي يمارسه بن زايد على السيسي، وفهم موقف أردوغان المرتبط بالاستثمارات الإماراتية الضخمة في تركيا، يبقى التساؤل قائماً: ما الذي يمنع السعودية من التدخل القوي وهي التي لا تعاني من هذه الضغوط الاقتصادية؟.

الفرصة المتاحة وإجهاض المشروع الإماراتي ثمة فرصة ذهبية تلوح في الأفق الآن أمام السعودية لحسم الملعب في السودان، خاصة وأن الإمارات ليست في أفضل حالاتها مع بدء انكشاف صورتها الحقيقية أمام العالم. ورغم أن فكر بن سلمان وبن زايد قد يلتقي في الرغبة في بناء “إمبراطوريات” خاصة، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في أن الإمارات تلعب دور “الدولة الوظيفية” التي تخدم أجندات معينة في المنطقة، بما في ذلك التقاطع مع المصالح الصهيونية.

إن الاستراتيجية السعودية مطالبة الآن بالانتقال من مرحلة “استعراض الأوراق” أو “جس النبض” إلى مرحلة الفعل الحقيقي في الملعب السوداني. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والمغامرات الإماراتية التي تعتمد على مبدأ “يا صابت يا اثنين عور” قد تنجح إذا استمر الغياب السعودي عن الفعل الاستراتيجي.

خاتمة وتشبيه لفهم المشهد يمكن تشبيه ما يحدث في المنطقة بمباراة شطرنج كبرى، حيث انشغلت السعودية بترتيب قطعها الداخلية وتأمين رقعتها الخاصة، بينما كانت الإمارات تتحرك بقطعها “الوظيفية” السريعة لتطويق الملك من كل الزوايا. الاستفاقة السعودية الحالية تشبه محاولة لاعب استيقظ ليكتشف أن خصمه لم يكتفِ بمهاجمته، بل بدأ في بناء جدران حوله داخل الرقعة نفسها؛ فإما أن يكسر هذه الجدران الآن بتحرك جريء، أو يجد نفسه خارج اللعبة تماماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *