تخطى إلى المحتوى

سحب الجنسية الكويتية: كارثة الـ 68 ألف مواطن وثمن قول الحقيقة

شهدت الساحة الكويتية مؤخراً تطورات مفزعة فيما يتعلق بقضية سحب الجنسية، وهي قضية تتجاوز كونها إجراءً إدارياً لتلامس جوهر المواطنة وحرية الرأي في المنطقة. إن هذه الظاهرة، التي لا تُفهم في أساسها “ما معنى فكرة سحب الجنسية أصلاً”، قد وصلت إلى أبعاد خطيرة للغاية، تجسدت في سحب الجنسية من قامات فكرية بارزة مثل الدكتور طارق السويدان، لتكشف عن تحول مقلق في دولة كنا ننظر إليها بـ”نظرة مختلفة عن بقية الدول العربية”، لامتلاكها “تجربة قريبة شوية من فكرة الديمقراطية”.

قضية السويدان: مواطن قبل التحرر

إن سحب الجنسية من شخصية بحجم الدكتور طارق السويدان يثير تساؤلات عميقة حول مفهوم المواطنة الحقيقي. فالدكتور السويدان، المولود عام 1953، وُلد في الكويت قبل حصولها على تحررها عام 1963، أي أنه مواطن قديم ليس بجنسية مكتسبة حديثاً. يتنافى هذا الإجراء تماماً مع أبسط مبادئ الاستقرار الحقوقي. فالجنسيات المكتسبة أصبحت قاعدة في الغرب؛ إذ إن “90% من الأمريكيين” والنسبة الكبيرة من الأوروبيين يحملون جنسيات مكتسبة. الأمثلة الدولية واضحة: رئيس وزراء بريطانيا السابق ريشي سوناك من أصول هندية، وعمدة نيويورك الحالي حصل على الجنسية منذ خمس سنوات فقط. إذا كان هذا هو الحال بالنسبة للجنسيات المكتسبة، فكيف يُعامل مواطن نشأ في البلد قبل تأسيس دولته الحديثة؟ إن السؤال الجوهري يبقى: “إيه فكرة سحب جنسية أصلاً؟”.

البلوة السوداء لسايكس بيكو

في حقيقة الأمر، لا يمكن مناقشة مصيبة سحب الجنسية دون الإشارة إلى المصيبة الأصلية التي تبتلي الأمة، وهي مصيبة سايكس بيكو. إن مفهوم الجنسية وجواز السفر والحدود هو في الأصل “بلوة سوداء” فُرضت على المنطقة. لقد كانت الأمة في السابق تعرف حركة مرور حرة، حيث كان الركب يخرج من إسطنبول ليصل إلى المدينة، والذي يخرج من مصر يعبر فلسطين ليصل لبنان وسوريا دون حاجة إلى جواز سفر أو حدود. ومع استمرار هذه “البلوة السوداء” (الحدود والجنسيات)، تأتي الحكومات لتنزع الجنسية عن الناس، ما يزيد الطين بلة.

التغلغل الإماراتي والـ 68 ألف ضحية

إن ما يحدث في الكويت لا يمكن عزله عن السياق الإقليمي الملتهب، ولا سيما ما وُصف بـ “تغلغل الإمارات داخل الكويت”. هذا التغلغل، وفقاً للقراءة السياسية، يواكب تحولاً جذرياً في نهج الدولة. منذ مجيء الأمير الجديد (مشعل)، تم سحب الجنسية من عدد هائل وصل إلى 68 ألف شخص. هذا الرقم يمثل صدمة حقيقية ويطرح التساؤل: “إلى متى ستظل هذه البلاد هكذا؟”.

إن عملية سحب الجنسية تبدو وكأنها ضريبة يدفعها أي شخص يقول الحق. ويُعتقد أن هدف هذه الإجراءات هو استهداف كل الأصوات الناقدة. وبعد استهداف طارق السويدان، يتوقع المراقبون أن يكون المفكر الكويتي المحترم، الدكتور عبدالله النفيسي، هو الهدف التالي. والنفيسي معروف بمواقفه الصريحة وانتقاده لأبو ظبي، حيث وصف حكامها بـ “عيال زايد”.

الجنسية كسلاح للقمع: النموذج المصري

إن عملية سحب الجنسية لا تتعلق دائماً بالرغبة في إخراج المواطن من حكم الدولة؛ ففي بعض الحالات، تكون الحكومات حريصة على الإبقاء على الجنسية لأغراض قمعية. ففي مصر، وعلى الرغم من وجود قانون يلزم بإسقاط الجنسية عن أي مواطن يحصل على جنسية أخرى دون الرجوع للسلطات، فإن النظام يمتنع عن إسقاط الجنسية المصرية عن المعارضين. والسبب هو الرغبة في إبقائهم “مواطناً مصرياً مطلوباً للعدالة في مصر” وموضوعاً على قوائم الإرهاب، بينما لو أُسقطت عنه الجنسية، يصبح مواطناً لا يمكن إصدار حكم قضائي عليه في مصر. سواء كان الهدف هو السحب (كما في الكويت) أو الإبقاء (كما في نموذج مصر الذي بدأه السيسي ورجاله)، فإن الهدف الأسمى هو الإبقاء على سلطة التحكم والاضطهاد.

إن نزع الجنسية هو الثمن الذي يدفعه كل من يقول الحق، ويتم تلفيق التهم المعتادة له، سواء بوصفه “إخوان” أو “العفريت الأزرق”. والأمة بهذا المنطق تستمر في دفع ثمن كونها “عبيد إحسانهم” بدلاً من أن تكون أمماً حرة تتمتع بالحقوق الأصيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *