تخطى إلى المحتوى

الخطر الأكبر الذي يهدد مصر: تغييب الجانب الاجتماعي وتغيير المفاهيم والقدوات

تشير الملاحظات الأخيرة إلى أن هناك خطراً أكبر يهدد مستقبل مصر يتجاوز البعدين السياسي والاقتصادي، وهو الخطر المتجلي في تدهور الأوضاع الاجتماعية وتغييب المفاهيم الأساسية. ورغم أن الحديث عن الشأن المصري قد يثير شعوراً بالإجهاد لدى الجمهور، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في الأوضاع الاجتماعية التي شهدت تغييباً مقصوداً، أدى إلى انقلاب في المفاهيم، وهو ما يُعد الخطر الأكبر على الإطلاق.

ما بين الرحيل السياسي والأزمة الاجتماعية

هناك إجماع على أن الرئيس السيسي، كأي حاكم، سيرحل في نهاية المطاف، فليس هناك من يخلد على هذه الأرض، والمسألة تتعلق فقط بالتوقيت الذي يعلمه الله (سواء كان غداً أو العام القادم أو بعد عشر سنوات). وبينما يُرجى من الله تدبير الأحوال الاقتصادية والسياسية في مصر، فإن المشكلة الجوهرية التي تستدعي القلق الشديد هي الأوضاع الاجتماعية وما لحق بها من تغييب.

إن تغييب المفاهيم الاجتماعية هو الخطر الحقيقي الذي يواجه المجتمع. ولهذا السبب، يتم التحضير لإطلاق قناة جديدة، والتي ستكرس جهوداً كبيرة للعمل على المفاهيم الاجتماعية. هذا العمل يمثل جزءاً أساسياً من “معركة الوعي” التي يجب تصدرها، ونسأل الله الإخلاص فيها، بهدف إعادة الوعي الاجتماعي حتى “يرجع المجتمع نضيف ثاني”.

معركة الوعي: كبسولات اجتماعية وإنسانية

للتصدي لهذه الأزمة، سيتم تقديم سلسلة حلقات في القناة الجديدة بعنوان “كبسولات اجتماعية وإنسانية وتربوية ودينية”. فالرؤية للمشهد الاجتماعي الراهن تكشف عن أمور عجيبة تثير الدهشة.

من أبرز الأمثلة على هذا الانقلاب في القيم هو محاولات النظام المصري المتكررة لـ “صناعة أي بطل” والاحتفاء بأي كلام فارغ، وهو منطق يُوصف بأنه “تعبان جداً”. وقد ظهر هذا جلياً في حالة الشاب المعروف باسم “ميدو”، الذي عاد من بريطانيا بعد أن تم طرده بقرار ترحيل خلال 24 ساعة، رغم كونه خمّورجياً وسكرياً. ورغم هذه الحقائق، قام النظام بتأجير مجموعة من الشباب الصغير للوقوف في المطار لاستقباله، في مشهد يهدف إلى صناعة بطل. إن محاولة صناعة أبطال زائفة بهذه الطريقة هو خطر كبير في “منطق الطغاة”، خاصة أن العقل الذي يدير العقل الجمعي في مصر يمثل خطراً شديداً.

خطر تغيير القدوات وسنوات الخداع

ما يزيد الأمر سوءاً هو التناقض الصارخ بين تكريم شخصيات مثل هذا الشاب، ووصفه بأنه “كل عُبر الدنيا فيه”، وبين وضع “الأفاضل” من أبناء الوطن في السجون والمعتقلات، أو مطاردتهم. هذا المشهد أعاد إلى الأذهان حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن “سنوات خداعات” التي تكون قبل الساعة.

وإذا كان طريق التكريم والمجد يتمثل في أن يُشال المرء على الأعناق وينال الامتيازات (كما حدث مع ميدو)، فإن هذا الطريق لا يتناسب مع مسار الصابرين الذين يُقال لهم في الجنة: “سلام عليكم بما صبرتم”. إن المشكلة الرئيسية التي تُصنع في المجتمع المصري هي “تغييب وتغيير القدوة”، حيث يصبح العيل السكّري قدوة للناس.

الاضطراب الاجتماعي لا يقتصر على صناعة الأبطال الزائفين، بل يمتد إلى قلب تفاصيل الحياة اليومية. فعلى سبيل المثال، انتشرت مؤخراً مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي عن شخصية تدعى “المجاسر”، وهي امرأة تقوم بنشر فيديوهات، حيث كان الجدل محتدماً حول زواجها الثاني.

إن المجتمع يتم تغييبه ويتم التلاعب في أساسه وجوهره. هذا التلاعب في أساس المجتمع يجعل المسألة صعبة جداً بالنسبة لمصر، ونسأل الله أن يلطف بها.

يمكن تشبيه ما يحدث للمجتمع المصري، من حيث التلاعب بأساسياته وتغييب مفاهيمه وقيمه، كأننا نقوم بإزالة الأعمدة الحاملة لمنزل ما ونستبدلها بزينة ركيكة؛ قد يبدو المشهد الخارجي براقاً ومحتفلاً، ولكنه في الحقيقة أصبح هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة، لأن الأساس الذي يقوم عليه قد تم العبث به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *