ألم المشهد وفقدان الأمل
إن الحديث عن المشهد الراهن في مصر يُعد أمراً مؤلماً جداً، والحزن يزداد كلما استمر الوضع الحالي، حيث يشعر المرء بفقدان المزيد من الأمل مع مرور الوقت، وإن هذا اليأس شعور عادي كما حدث حتى للرسل “حتى إذا استيأس الرسل”. إن الرئيس السيسي مُصمم على إيصال المنهج الذي اختاره، فهو لا يبالي بأحد إلا بشقي حمايته فقط. هذا المنهج يتمثل في التركيز الحصري على المؤسسة العسكرية والشرطية، وهو ما أكده كثيرون، بمن فيهم إبراهيم عيسى، حيث إنه لا يذهب إلا إلى هذين المكانين: كلية الشرطة والكلية العسكرية.
التحول من “أخونة الدولة” إلى “عسكرة المجتمع”
لطالما كان الحديث يدور حول فكرة “أخونة الدولة” سابقاً، ونستذكر المشهد الشهير للمعلم يونس مخيون، رئيس حزب النور، عندما واجه الدكتور مرسي (رحمه الله) بملف وطالبه قائلاً: “أنت بتاخون الدولة في 13000 وظيفة”. لكن الوضع اليوم يختلف جذرياً، ولا يمكن ليونس مخيون أن يفتح فمه الآن.
إن المشهد الذي رآه الكثيرون مؤخراً، والذي “خلع القلب” بحق، هو مشهد دخول الدعاة والعلماء الحاصلين على الدكتوراه. هؤلاء المشايخ والعلماء كانوا يدخلون بالخطوة العسكرية، وهم يجلسون بوضع أيديهم على أجسادهم كتعليمات أمنية، حيث يجب ألا تُوضع اليد خلف الظهر أو في الجيب، حتى وإن كانوا قد خضعوا للتفتيش. إن هذا المشهد يمثل تحولاً جوهرياً؛ فقد أصبح الدعاة أيضاً يتم “عسكرتهم”، حيث يخضعون لسنتين من الدراسة لأخذ أعلى علم في الأكاديمية العسكرية في علوم شرعية.
عقيدة السيطرة الشاملة والتعيينات
لم يعد الأمر مقتصراً على “عسكرة الدولة”، بل نتحدث الآن عن “عسكرة المجتمع”. لقد جاء التصريح الصادم والواضح جداً من السيسي الذي قال فيه إنه “ما فيش حد هيتعين في الدولة غير لما يعدي على هنا”. هذا يعني أن السيسي يسعى لإرضاء الجيش بوضع البلد كلها في جيبهم، مشدداً على أن لا أحد سيتعين إلا عندما يأتي الجيش ليقرر ما إذا كان سيعمل في الحكومة أم لا.
هذا القرار يمس الجميع، من أصغر وظيفة كـ”فراش” وصولاً إلى منصب “دكتور”، فالمؤسسة العسكرية/الأمنية هي من ستقرر مصير تعيينهم. المسألة مؤلمة جداً على النفس. والمنهج المتبع حالياً يقوم على عدم تشغيل أي شخص في الدولة إلا بعد الحصول على موافقة أمن الدولة أولاً، ثم تأتي الموافقة من الجيش. وفي هذا السياق، يرى السيسي أن هذين الجهازين هما “الدولة”، بينما الـ 110 ملايين مواطن “ولا حاجة”. وهذا التسلط الكامل يجد دعماً من اللجان الإلكترونية التي ترى الأمر عادياً.
مغالطة المئة عام ومنهج التدمير
بالإضافة إلى منهج السيطرة، أدلى السيسي بتصريحات “هلفطة” حول “الانحطاط” الذي يشهده الإسلام والدين على مدى 140 عاماً. وفي سياق تبرير بطء أو عدم تحقق التغيير، قال جملة لطيفة مفادها: “هي الأوطان بتتغير في سنة واتنين؟ ده بتاخد لها 100 سنة”. هذا التصريح يعني أنه يرى أن تغيير الأوضاع يحتاج 100 سنة، متسائلاً: “حلني” (أي انتظرني حتى ذلك الوقت).
هذا المنهج، الذي يهدف إلى تدمير الوطن، سيحتاج لوقت كبير جداً حتى تستطيع مصر أن تعود كما كانت. إن هذا الادعاء بـ “100 سنة” لا يستند إلى أساس منطقي. فالتجارب الدولية الناجحة تثبت عكس ذلك؛ فقد تمكنت ماليزيا تحت قيادة مهاتير محمد من التغيير في 15 سنة، واستغرقت البرازيل 13 سنة فقط. وكذلك الحال بالنسبة لسنغافورة وغيرها. إن القول بأن التغيير يحتاج 100 عام هو حجة لطلب عدم الاستعجال، رغم أن السيسي نفسه وعد بدولة مختلفة بحلول 30/6/2020 قبل هذا التاريخ.
الخلاصة: مأساة حقيقية
إننا أمام مأساة حقيقية. إن السيسي يسير على منهج محدد وممنهج لتدمير هذا الوطن. إن الطريقة التي يُدار بها البلد هي طريقة مؤلمة جداً وغير مسبوقة. فقد باتت كل أمور الدولة ومصير المواطنين مرهوناً بالمرور عبر فلاتر أمنية وعسكرية، في تهميش كامل لبقية أفراد الشعب. إنها مسألة مؤلمة جداً جداً.