تخطى إلى المحتوى

تصعيد غير مسبوق: السعودية تطالب بضم سيناء وتدويل قناة السويس.. إلى أين تتجه العلاقات المصرية السعودية؟

منذ فترة، يلاحظ تدهور مستمر في العلاقات المصرية السعودية، وأن الأمور ليست على أفضل حال. ولكن ما يثير القلق العميق هو أن هذا التدهور يتجاوز مجرد الخلاف بين الأنظمة ليذهب إلى مستويات غير مسبوقة وخطيرة جداً من العداء بين البلدين. واللافت أن هذا المستوى من العداء لم يحدث حتى في فترة الخلاف الشهيرة التي جرت أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

مقارنة مع حقبة عبد الناصر: الخلاف بين الأنظمة فقط

كان هناك عداء تاريخي بعد ثورة يوليو 1952 بين النظام الجمهوري الجديد في مصر والنظام الملكي السعودي. كان آل سعود يخشون بشدة من فكرة نقل الثورة والقضاء على الرجعية والملكيات الموجودة في العالم، وهي الفكرة التي كان جمال عبد الناصر معنياً بها بشدة. وقد وصل العداء بينهما في فترات سابقة إلى درجات خطيرة، حيث دفعت السعودية أموالاً لمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر، كما حدث مع ضابط الأمن عبد الحميد السراج في سوريا، وهي قصص موثقة.

كما تدهورت العلاقات لدرجة وقوع حرب بين مصر والسعودية في اليمن، حيث أيد السعوديون النظام اليمني القديم، مما اضطر مصر إلى الدخول في حرب لدعم الثورة الجديدة التي خرجت على الإمام الزيدي في اليمن.

لكن حتى في ذروة هذا الخلاف، الذي وصل إلى حد الحرب ومحاولات الاغتيال، كان الخلاف محصوراً بين النظامين. فلم يكن جمال عبد الناصر أو أدواته الإعلامية (مثل محمد حسنين هيكل وغيره) يشتمون الشعب السعودي على الإطلاق. وفي المقابل، كان آل سعود يتحركون ضد عبد الناصر دون أن يشتموا مصر أو المصريين.

مرحلة “السفالة” غير المسبوقة في العداء الحالي

أما الآن، فقد وصلت الأمور إلى مرحلة غير مسبوقة على الإطلاق من “السفالة”، وهي سفالة صادرة من الجانبين، السعودي والمصري. مع الأخذ في الاعتبار أن “السفالة السعودية كانت قد بدأت بشدة”، باعتبار أنهم يرون أنفسهم “أصحاب فضل” وأنهم هم من يصرفون على نظام السيسي، وهو ما جلب لمصر هذا الموقف.

لم يتوقف الأمر عند مجرد الحرب الكلامية وتبادل الشتائم السخيفة بين اللجان الإلكترونية، مثل شتم “الطعمية” أو “الكبسة”. بل وصل إلى اتهامات سافلة تخدش في العرض وتتهم بالشذوذ الجنسي، وهي أمور يعف أي إنسان سوي عن أن يصف بها أخاه المسلم أو حتى أخاه العربي.

مطالبات سعودية خطيرة تمس السيادة الوطنية

ما فاجأ الجميع مؤخراً هو أن اللجان الإلكترونية والحسابات الرسمية السعودية تطرح قضيتين في منتهى الخطورة، تتجاوزان حدود النقد السياسي وتصيبان صميم السيادة:

1. المطالبة بتدويل قناة السويس: تطالب هذه الحسابات بوضع قناة السويس تحت سلطة دولية، مبررة ذلك بحجج واهية بأن مصر ليست قادرة على إدارة القناة، ومستندة إلى بعض الحوادث التي وقعت مؤخراً. هذا المطلب يعد عجيباً جداً وربما لم يُسمع حتى من الصهاينة.

2. المطالبة بضم أراضٍ مصرية: تطالب هذه الحسابات بأن سيناء هي جزء من السعودية، وتطالب بضم هذه الأراضي المصرية إلى المملكة.

يجب ملاحظة أن هذا التصعيد الخطير من الجانب السعودي لا يقابله تصعيد مماثل في طبيعته من الجانب المصري. فلم تُحرك حسابات مصرية رسمية، أو إعلاميون، أو سياسيون مصريون حتى الآن قضية تدويل المقدسات أو تدويل الحرمين الشريفين. صحيح أن الخطاب المصري تتحكم فيه “الشركة المتحدة” وأتباعها لتحريك لجان إلكترونية لشتم السعودية، لكن لم يصدر هناك حسابات رسمية مصرية هاجمت السعودية مطلقاً.

في المقابل، هناك حسابات سعودية رسمية وكثيرة جداً، وقريبة من السلطة (مثل حساب “كولومبس”)، وهي حسابات مخصصة فقط للهجوم على مصر.

التطورات المرعبة وتأثيرها على المصالح الاقتصادية

إن الموقف يتطور إلى تطورات مرعبة وغير مسبوقة. إذا لم يتم تدارك هذا الأمر، فإن الصراع سيذهب بالضرورة إلى مناطق أخرى وأكثر خطورة. هذا التصعيد يهدد بالدخول في صدامات تمس العديد من المصالح المشتركة والخاصة بالبلدين.

تشمل المخاطر المحتملة والمباشرة لهذا التصعيد ما يلي:

• مصالح العمالة المصرية: يعمل في السعودية عدة ملايين من المواطنين المصريين، ويمثلون أبواب رزق رئيسية للكثيرين، وهذا التصعيد قد يقطع عيشهم.

• الاقتصاد المصري: قد يتأثر الاقتصاد المصري بشدة إذا حدث ترحيل للعمالة المصرية من السعودية، لا قدر الله.

• المصالح السعودية: ستتضرر أيضاً المصالح السعودية الموجودة في مصر.

الفشل الداخلي السعودي كمحرك للتصعيد

يأتي هذا التصعيد السعودي في وقت تمر فيه المملكة بمرحلة داخلية صعبة، حيث نشرت صحيفة “الفاينانشال تايمز” تقريراً طويلاً عن الفشل التام لمشروع نيوم (ذا لاين). هذا الفشل جاء بعد إهدار 50 مليار دولار فيه، وهي مسألة صعبة جداً.

وعلى الرغم من غياب حرية الرأي أو الانتقاد داخل السعودية (شأنها شأن مصر في عهد السيسي، على عكس مصر في عهد مبارك التي كانت بها مساحة للنقد)، فإن هذا الفشل ينم عن تقديرات خاطئة. ويمكن لهذه التقديرات الخاطئة أن تصيب المجتمع السعودي الداخلي في صمت وتؤثر على ثقته في النظام، خاصة عندما نتحدث عن 50 مليار دولار “أُلقيت في الأرض حرفياً”.

دعوة للعقلاء وتوجيه العداء نحو العدو الحقيقي

في الختام، لا بد من أن يكون هناك عقلاء في النظامين. إن هذا التصعيد المبالغ فيه قد يؤدي إلى تصعيدات أخطر جداً تمس سلامة البلدين على المدى القريب. يجب التذكير بأن العداوات يجب ألا تُحوّل إلى الشعوب الشقيقة (كما حُولت سابقاً تجاه الشعب التركي أو القطري)، بل يجب أن تُوجّه العداوات دائماً إلى العدو الحقيقي، وهم الصهاينة.

——————————————————————————–

إن العلاقات بين الدول تشبه حركة المرور المعقدة؛ إذا بدأ أحد السائقين بالقيادة بتهور ومخالفة القواعد الأساسية للطريق، فإن النتيجة الحتمية هي الاصطدام الذي لا يضر السائقين فحسب، بل يضر الركاب والبنية التحتية بأكملها. وفي هذا السياق، فإن تجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بالسيادة الوطنية يمثل أخطر أنواع “التهور”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *