تشهد الساحة الإقليمية والدولية تصعيداً متزامناً في عدة قضايا حيوية، بدءاً من الضغط الأمريكي المكثف على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمنعه من إفشال اتفاق الهدنة في غزة، وصولاً إلى أزمة جديدة ومعقدة تبرز بخصوص جثمان قيادي شهير، وانتهاءً بتصعيد روسي خطير يلوح في الأفق بإعلان تدريبات نووية استراتيجية.
الضغط الأمريكي وعقبة القوات الدولية في غزة
تتزايد الأدلة على أن نتنياهو مصمم على محاولة إفشال الاتفاق المتعلق بغزة. وقد ازدادت وتيرة الضغط الأمريكي بشكل غير مسبوق، ويشير إليه التوافد الكثيف للمسؤولين الأمريكيين على إسرائيل. ففي الفترة الأخيرة، تواجد ويتكوف وكوتشنر، بالإضافة إلى نائب الرئيس جيدي فانس، وأعلن عن زيارة مرتقبة لوزير الخارجية. هذا الضغط يهدف لمنع نتنياهو من الانسحاب من الاتفاق، وهو ما يخشاه المسؤولون الأمريكيون بالفعل.
وبعد أن كادت قضية تبادل الرهائن والجثث أن تُحل بشكل شبه كامل، وضع نتنياهو عقبة جديدة تتعلق بالمرحلة التالية من الاتفاق، والتي تتطلب دخول قوات دولية. يصر نتنياهو على ألا يكون للجانبين التركي والقطري أي دور في هذا الأمر، ويراه مستحيلاً.
ويُرجع نتنياهو سبب الرفض إلى أن الحركة (حماس) تنتمي للإخوان، وكل من تركيا وقطر متعاطفان وداعمون للإخوان، وهو ما قد يؤدي إلى التعاون بين هذه القوات والحركة، أو ربما إلى أشياء أخرى. ويُعتبر هذا الرأي شائعاً في إسرائيل، حتى أن زعيم المعارضة يائير لابيد هاجم نتنياهو في الكنيست معتبراً إدخال “القطريين والأتراك” (الداعمين للإخوان) أمراً غير مقبول، بينما إسرائيل تريد إدخال قوات مصرية تحارب الإخوان.
وعلى الرغم من محاولات مصر تقديم مقترح يسمح بتواجد تركي “رمزي وقليل جداً” لكي لا تتحمل مصر عبء الموقف وحدها، إلا أن نتنياهو أعلن إصراره على عدم مشاركة الأتراك في لقائه مع جيدي فانس.
مأزق جثمان “صاحب العصا والطوفان”
برزت قضية جديدة ومهمة تتعلق بجثمان “صاحب العصا والطوفان” (الذي تُوُفّي رحمه الله). وبالرغم من أن الحركة لم تضغط بقوة على استخدام الجثمان في المفاوضات، إلا أن عائلته (التي ليست من أصول غـزاوية، بل من الأراضي الفلسطينية المحتلة) ترى ضرورة دفنه هناك. وترى الحركة أن دفن الجثمان في الأراضي المحتلة يمثل رمزية قوية جداً لفكره “فلسطين من النهر إلى البحر”، وكون القضية لا تقتصر على غزة فقط.
يواجه الإسرائيليون مأزقاً حقيقياً بخصوص التعامل مع هذا الجثمان:
1. تسليم الجثمان: سيؤدي ذلك إلى إقامة جنازة ضخمة جداً، مما سيُظهر الشعبية الكبيرة للرجل وللحركة، وهو ما يضر بالرواية الإسرائيلية.
2. دفنه في الداخل: هذا يعني أن إسرائيل تُقر بأن الجسد يُوارَى في “التراب المفروض مش بتاعه”، وبالتالي تقر بفكرة أن هذا التراب هو جزء من فلسطين.
وللخروج من هذا المأزق، اقترحت وزيرة الاستيطان الإسرائيلية شديدة التطرف فكرة حرق الجسد. ولكن هذا الاقتراح يمثل جريمة بشعة ستكون في غاية الصعوبة على إسرائيل تبريرها للرأي العام العالمي، خاصة وأنها لم تنجح بعد في تبرير جرائمها الأخرى.
ويُتوقع أن يتم تسليم الجثمان في النهاية، ولكن باشتراطات قوية من الوسطاء والضامنين بأن يتم دفنه دون أي مظاهر احتفالية أو شعبية، على غرار ما تم تطبيقه في تسليم الأسرى. وربما يتم اللجوء إلى دفنه سراً ليلاً، كما يُفعل في حالات مماثلة.
التصعيد الروسي النووي الخطير
على صعيد آخر، تتصاعد التوترات بين روسيا والغرب، حيث تزداد الأمور صعوبة في أوروبا. وبينما تستمر المناوشات الكلامية والشد والجذب بين بوتين وترامب حول عقد قمة محتملة، أعلن الكرملين اليوم رسمياً عن بدء تدريبات للقوات النخبوية النووية الاستراتيجية.
هذا الإعلان خطير جداً لأنه يمثل المرة الأولى التي يُطرح فيها بين قوسين شرط “الاستخدام النووي للسلاح”. هذه القوات هي المسؤولة عن التعامل مع الأسلحة النووية براً وبحراً (الغواصات والسفن والصواريخ) وجواً.
ويرى البعض أن هذا التصعيد هو نوع من الضغط السياسي، إلا أن رمزيته خطيرة جداً، إذ وصلنا إلى أعلى نقطة من الضغوط العسكرية، وتهديدات باستخدام السلاح النووي. ويُعتقد أن هذا التصعيد يشير إلى أننا في المراحل الأخيرة (قد تكون شهور أو سنتين على الأكثر) لنشوب حرب أوروبية روسية، والتي ستكون نواة لحرب أكبر.
——————————————————————————–
ملاحظة سريعة: وفي سياق آخر، أشير إلى أن نجاح زعيم المعارضة في الانتخابات القبرصية، والذي يدعو لتوحيد الجزيرة (المقسمة بين الشمال التابع لتركيا والجنوب التابع لليونان والمنضم للاتحاد الأوروبي)، يمثل مشكلة جديدة وخطيرة لمصالح تركيا، إذ يوسع نفوذ اليونان في بحر إيجة والبحر المتوسط.
——————————————————————————–
توضيح استعاري: يمكن النظر إلى هذه الأزمات المتشابكة كـ “دومينو متوتر”؛ حيث لا يقتصر الضغط على نتنياهو في الداخل فحسب (أزمة الجثمان)، بل يمتد إلى رفضه للحلول الخارجية (إقصاء الأتراك)، وفي الوقت ذاته يتصاعد التهديد النووي الروسي في الخارج، مما يعني أن الحركة في أي قطعة من هذا الدومينو قد تؤدي إلى انهيار شامل غير متوقع.