إن الأمور تقترب بشدة من الحرب الكبرى، ويجب علينا أن نهيئ أنفسنا لذلك. فالتاريخ يخبرنا أن لكل حرب مقدمات. وفي سياق هذا التصعيد غير المسبوق، خرج نائب رئيس المخابرات الروسية بتصريح بالغ الأهمية، أكد فيه أننا نعيش حاليًا أضعف حلقة في نظام أمان العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وأن مستوى الهشاشة الذي وصلنا إليه غير مسبوق، والخطر محدق بنا.
المقدمات التمهيدية للحرب الكبرى:
يشهد العالم حالياً تطورات تُعتبر مقدمات تمهيدية للانتقال من المعارك الاقتصادية إلى المعارك العسكرية. وهذه التمهيدات تتشابه وتكاد تكون متطابقة مع المواقف التي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية.
1. التصعيد النووي المتبادل: بدأ التصعيد النووي المتبادل بعد أن قام بوتين بتشغيل المنظومة النووية الروسية. وتتميز هذه المنظومة بوجود نظام يُعرف باسم “اليد الميتة” (Dead Hand)، وهو نظام مصمم للعمل أوتوماتيكياً لإبادة العالم، حتى لو تعرضت القيادة العسكرية الروسية لضربة نووية استباقية قضت عليها بالكامل في لحظة واحدة. هذا النظام يضمن أنه إذا أُبيدت القيادة، تبدأ الصواريخ والقنابل النووية في التوجه إلى أهدافها المرصودة، مما يعني أن الرد سيقع حتى بعد موت القيادة الروسية.
2. رفع القيود العسكرية وتغيير ميزان الردع: تطورت الأمور بعد ذلك بتقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” (Wall Street Journal) يفيد بأن الأمريكان فكوا القيود عن استخدام صواريخ توماهوك الموجودة لدى الأوكرانيين ضد روسيا. وقد اعتبر نائب وزير الخارجية الروسي (نائب لافروف) أن هذا الإجراء يُعد إخلالاً بميزان الردع. ورغم أن ترامب نفى هذا التقرير، ووصفه بأنه “مكذوب”، في محاولة لدرء التهمة عن إدارته، إلا أن استخدام صواريخ توماهوك سيكون له ضربات مؤثرة جداً في العمق الروسي.
3. الحصار الاقتصادي الخانق: تلا هذه التطورات خطوتان رئيسيتان بفرض حصار اقتصادي شديد على روسيا:
◦ العقوبات الأمريكية: فرضت أمريكا عقوبات اقتصادية على روسيا.
◦ الاتحاد الأوروبي: قام الاتحاد الأوروبي بتفعيل البند 19 في قانون العقوبات، والذي يمنع استيراد الغاز المسال والبترول من روسيا.
◦ تخفيض الواردات: أعلن ترامب أنه أجرى مكالمة مع مودي، أشار فيها إلى أن الهند ستقلل بشكل كبير من استيراد المواد البترولية من روسيا.
◦ السطو على الأرصدة: تدرس الدول الأوروبية كيفية الاستيلاء على الأرصدة الروسية، حيث أشار رئيس وزراء بلجيكا إلى رغبتهم في إيجاد مخرج قانوني لذلك. ويطالب الأوروبيون باسترداد مبلغ ضخم قدره 177 مليار دولار دفعوه لدعم أوكرانيا في الحرب.
نهاية النظام القائم وبداية نظام جديد:
إن هذه الحرب الكبرى القادمة هي نهاية نظام قائم وبداية نظام جديد. فالنظام القائم حالياً (مثل نظام الأمم المتحدة وما تلاه من ثنائية وأحادية قطب) مات إكلينيكياً. ووفقاً لتعبيرات السياسة، نحن بحاجة إلى أن “نهد ونبني على نظيف”. ولا تزال فكرة “المليار الذهبي” (التي تدور حول قيام حرب يموت فيها 5 أو 6 مليارات، ليتم البناء من جديد) رائجة جداً في عقول كبار المفكرين.
تحول تاريخي: أول تهديد علني من ترامب لنتنياهو:
في ظل هذه الأجواء، برز اليوم تغير لافت جداً في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، تمثل في تصريحات رسمية علنية ومختلفة لأول مرة من ترامب وجيدي فانس تجاه نتنياهو.
• ضغوط الزيارات الأمريكية: كانت الزيارات المكثفة للمسؤولين الأمريكيين (مثل ويتكوف، كوشنر، جيدي فانس، وروبيو) تهدف للضغط على الصهاينة من أجل إثبات وقف إطلاق النار.
• شعور بالإهانة: تشعر الإدارة الأمريكية، وتحديداً إدارة ترامب، أن نتنياهو يحاول التملص والمراوغة. وقد صرح جيدي فانس بشعوره “بالإهانة” بسبب اللعب الذي يمارسه نتنياهو، والذي ظهر في محاولة الأخير للتحرر من اتفاق غزة عبر اتخاذ جزء يُرضي به أنصاره المتطرفين، مثل فرض السيادة على الضفة الغربية.
• ترامب يضع حداً لنتنياهو: صرح ترامب بأنه هو من أوقف نتنياهو، قائلاً: “أوقفت نتنياهو لأنه لا يمكن أن يحارب العالم كله”. وأكد أن إيقاف الحرب كان لأسباب استراتيجية، حيث كان يرى أن إسرائيل تخسر وتعيش في عزلة.
• التهديد العلني الأول: أصدر ترامب اليوم أول تهديد علني وواضح لنتنياهو بخصوص الضفة الغربية: “لو إسرائيل ضمت الضفة الغربية، فستخسر الدعم الأمريكي لأول مرة”. وهذا التهديد يعد أمراً خطيراً، ويضع خطوطاً واضحة لنتنياهو وإسرائيل بأكملها بأنه يجب عليهم الالتزام بها.
• رفض التبعية: على الجانب الإسرائيلي، بدأ قادة المعارضة (مثل ليبرمان) ينتقدون التبعية الكاملة للأمريكان، مشيرين إلى أن إسرائيل يجب أن تمتلك القوة لتقول “لا”. وعبّروا عن رفضهم لفكرة أن إسرائيل مجرد “قطعة شطرنج يحركها ترامب”.
جبهات أخرى تشتعل:
بالإضافة إلى التصعيد في روسيا وأوروبا، هناك جبهة أخرى على وشك الاشتعال في أمريكا اللاتينية. فقد أعلن رئيس فنزويلا أن لديهم 5000 صاروخ روسي مضاد للطائرات جاهزة للأمريكان، وذلك بعد أن حصلت وكالة المخابرات المركزية (CIA) على “الجرين كارد” للعمليات البرية.
إننا أمام متغيرات مهمة جداً تؤكد أن العالم يسير بخطى حثيثة نحو تحول كبير ونظام جديد.