لقد شهد العالم حدثاً سياسياً لم يكن عادياً، بل يعد نقطة تحول مفصلية في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث. الحديث هنا عن فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، هذا الحدث الذي يرى فيه كثيرون، وعلى رأسهم النائب الديمقراطي الشهير ساندرز، أنه أهم حدث في تاريخ أمريكا الحديث، متجاوزاً بذلك أحداثاً كبرى مثل اغتيال كينيدي، والحرب العالمية، وأحداث 11 سبتمبر.
ولفهم الأهمية القصوى لهذا الفوز، يجب أن نتبع قاعدة “تتبّع سهام العدو”. فالصهاينة والملاحدة العرب (الذين يكرهون الدين والعروبة ويؤيدون الصهيونية) هم الأكثر تألماً وغضباً من هذا الانتصار، مما يدعونا إلى الفرح به.
زهران ممداني: مشروع سياسي صاعد يكسر التابوهات
زهران ممداني شاب مسلم شيعي، ولد في أوغندا لأب هندي مسلم شيعي اثني عشري وأم هندوسية، وهاجر إلى أمريكا. حصل على الجنسية الأمريكية في عام 2018، وفي غضون سنوات قليلة، أصبح عمدة نيويورك في عام 2025 (بناءً على سياق المحتوى). هذا الصعود السريع يجسد فكرة المواطنة كاملة الحقوق التي تفتقدها دول أخرى، حيث يمكن للمواطن أن يصبح رمزاً في فترة وجيزة.
وقد أشار الكاتب المصري الكبير عبد العظيم حماد إلى قيمة هذا الحدث، واصفاً خطاب انتصار ممداني بأنه درة من درر الأدب السياسي، ومشابهاً لخطاب بول بنت عام 1792 ضد العبودية في مجلس العموم البريطاني. ووصف حماد ممداني بأنه جمع صفات عظيمة مثل بساطة نهرو، وسخرية تشرشل، ووسامة كينيدي، وجاذبية شارلي ديجول.
أولاً: كسر التابو الصهيوني.. طريق جديد للسلطة
إن الأثر الأهم والأول لفوز ممداني هو أنه كسر التابو الرئيسي لسياسيي أمريكا وحكام الولايات. لطالما كانت القواعد السياسية الأمريكية تفرض على أي مرشح يرغب في الصعود أن يمر عبر طريق “إيباك” (اللوبي الصهيوني) واسترضاء إسرائيل.
لقد أثبت فوز ممداني وجود طريق آخر للصعود إلى المناصب القيادية لا يتطلب التماس رضا اللوبي الصهيوني في تل أبيب. ففي حملته، بينما كان الجميع يسعى لاسترضاء إسرائيل، كان هو يسعى لاسترضاء الناخب. هذا المتغير هو الأهم في اللعبة كلها، ومن المؤكد أنه سيشجع نماذج أخرى كثيرة من العرب والمصريين الحاصلين على الجنسية الأمريكية لدخول معترك العمل السياسي والطموح فيه.
ثانياً: تيار “الطوفان” يغير المشهد
لا يمكن فصل انتصار ممداني عن “الطوفان” الذي وصف بأنه سيغير العالم. فآثار هذا الطوفان امتدت، حيث اعتمد ممداني في نجاحه على الشباب الذي يستقي معلوماته من وسائل التواصل الاجتماعي مثل “تيك توك”، وهو الجيل الذي ساند ممداني ضد ترامب وضد اللوبي الصهيوني وضد المليارديرات في نيويورك.
ومن الدلائل المذهلة على هذا التغيير أن 67% من اليهود في نيويورك تحت سن 44 عاماً انتخبوا زهران ممداني. هذا التغيير يؤكد أن “الطوفان” ليس فيضاناً عابراً، بل هو حركة تغيير مستمرة.
ثالثاً: رسالة قوية للحزب الديمقراطي والجمهوري
أحدث هذا الفوز تغييرات عميقة داخل الحزب الديمقراطي نفسه. فقد كان الحزب يتبع خط الليبرالية، ولكنه الآن يشهد صعود جناح تقدمي يساري شاب لا يوالي إسرائيل ولا يوالي فكرة الرأسمالية، بل لديه ولاء لاحتياجات المواطن الحقيقية. هذه التغيرات ستغير منهج الحزب وقد تفرز مرشحاً للرئاسة من هذا التيار في انتخابات 2028 (حيث لا تنطبق شروط المولد على ممداني للرئاسة).
أما الرسالة المدوية الأخرى، فكانت موجهة إلى الرئيس السابق ترامب والحزب الجمهوري. فخسارة الجمهوريين لأربع ولايات في الانتخابات (بعضها كانت ولايات جمهورية) هي إنذار بأن سياستك القائمة على الشعارات القديمة لا تهم المواطنين. وكما قال بيل كلينتون: “الاقتصاد أيها الغبي” (It’s the economy, stupid).
الرسالة للحزب الجمهوري (الذي يركبه ترامب ومجموعة المحافظين الجدد) كانت واضحة: إذا استسلمتم لترامب، ستخسرون الجلد والسقط، وقد تكون هذه أكبر خسارة للجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي القادمة.
رابعاً: انتصار الديمقراطية في وجه العزب
ما حدث أيضاً أكد أن الشعب الأمريكي لا يزال متمسكاً بالديمقراطية والتغيير السلمي، ويسقط الفاشية وملكيتها. على الرغم من محاولات ترامب الجلاد الذي “مركع العالم كله تحت رجليه”، ومليارديرات نيويورك، ولوبي “إيباك” الصهيوني، لم يتمكنوا من إسقاط زهران ممداني. وهذا يؤكد استمرار نهج المؤسسات وتمسك الشعب بخيار الديمقراطية، في فرق واضح بين الدول و”العزب”.
خاتمة ومخاطر
إن ممداني (وهو شاب في الأربعينات) يمثل مشروعاً سياسياً محنكاً وبارعاً. ولكن نجاحه سيكون خطراً على إسرائيل واللوبي الصهيوني والجمهوريين وترامب. ولذلك، ستوضع في طريقه كل المعوقات، وستُجرى محاولات عديدة لإفشاله، شبيهة بما حدث مع الرئيس الراحل محمد مرسي.
إذا نجح هذا الشاب في تحقيق وعوده الانتخابية وحظي بمحبة أهل نيويورك، فسيكون حقاً أهم حدث في التاريخ السياسي الأمريكي، لأنه سيفتح الباب لكسر كل التابوهات التي حكمت أمريكا لعشرات السنين.
——————————————————————————–
توضيح الفكرة الرئيسية: يمكن النظر إلى انتصار ممداني كمنارة جديدة أُضيئت في المشهد السياسي الأمريكي؛ هذه المنارة تظهر للجميع أن السفن يمكنها الوصول إلى الشاطئ دون الحاجة للمرور عبر الميناء الإجباري الذي يسيطر عليه حراس اللوبي الصهيوني، موجهة البوصلة نحو تلبية احتياجات المواطنين مباشرة.